عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

162

اللباب في علوم الكتاب

طلبته بالتقليد ، لا بالدّليل ، مع أنّ ذلك المتقدّم طلبه بالدليل لا بالتقليد ، كنت مخالفا له ، فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه ، فيكون باطلا ، وإنّما ذكرت هذه الآية الكريمة عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشّيطان ؛ تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان ، وبين متابعة التّقليد ، وفيه أقوى دليل على وجوب النّظر ، والاستدلال ، وترك التّعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل ، أو على ما يقوله الغير من غير دليل . فصل في بيان ما يستثنى من التّقليد قال القرطبيّ : ذمّ اللّه تعالى الكفّار ؛ باتباعهم لآبائهم في [ الباطل ] « 1 » واقتدائهم بهم في الكفر ، والمعصية ، وهذا الذّمّ في الباطل صحيح ، وأما التقليد في الحقّ ، فأصل من « أصول الدّين » ، وعصمة من عصم المسلمين ، يلجأ إليها الجاهل المقصّر عن درك النّظر ، واختلف العلماء - رضي اللّه عنهم - في جوازه في مسائل الأصول ، وأمّا جوازه في مسائل الفروع ، فصحيح . فصل في وجوب التّقليد على العامّي قال القرطبيّ - رضي اللّه عنه - : فرض العامّيّ الذي لا يستقلّ باستنباط الأحكام من أصولها ، لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ، ويحتاج إليه - أن يقصد أعلم من في زمانه ببلده ؛ فيسأله عن نازلته ، فيتمثّل فيها فتواه ؛ لقوله تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ النحل : 43 ] وعليه الاجتهاد في أعلم أهل زمانه بالبحث عنه ؛ حتى يتفق أكثر الناس عليه ، وعلى العالم أيضا أن يقلّد عالما مثله في نازلة خفي عليه وجه الدليل فيها . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 171 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) لما حكى عن الكفّار أنّهم عند الدّعاء إلى اتّباع ما أنزل اللّه تعالى ، تركوا النّظر ،

--> - الأعداد ، يقال في مقدورات اللّه تعالى ومعلوماته ؛ فإن المعلومات أكثر عددا من المقدورات ؛ لأن القدرة خاصة بالممكنات ، فالمقدور هو الممكن فقط . والعلم يشمل الواجبات ، والجائزات ، والمستحيلات ، فالمعلوم الممكن والواجب والمستحيل ، ومع هذا التفاوت فلا تناهي ؛ لأن مقدورات اللّه - تعالى - ومعلوماته لا تناهى . ويجاب عن ذلك : بأن النقض بالأعداد لا يرد ؛ لأن التطبيق المستدل به على بطلان التسلسل إنما اعتبر بين الأمور الموجودة ، وهي المعلولات التي ضبطها وجود ، وأما الأعداد فهي من قبيل الأمور الوهمية المحضة التي لا وجود لها في نفس الأمر ، حتى يكون هناك جملتان تطبقان ، فلا يصح النقض بها ، وأما النقض بمعلومات اللّه - تعالى - ومقدوراته ، فلا يرد أيضا ؛ لأن عدم تناهي المقدورات عدم وقوفها عند حد فما من مقدور إلا ويتصور وراءه مقدور آخر ، وأما الموجود من المقدورات فهو متناه قطعا ، وكذلك المعلومات الوجودية متناهية قطعا ؛ لأنه قد ضبطها وجود ، وأما العدمية فهي بمعزل عن الدليل . ( 1 ) في ب : أديانهم الباطلة .